السبت، 31 مارس 2012

الفالس الأخير

الفالس الأخير


القاعة بيضاء واسعة مرتفعة السقف، تغمرها الأضواء وتملؤها الكراسي.
أصوات الموسيقى تسري في المكان كعطر خفيّ، لا تسمع إلا همهمات من آن لآخر، فالكل مترقب ومنتظر.
هكذا بدت قاعة المحكمة التي جلست في مركزها قاضية حسناء، دقيقة الجسم، باسمة الثغر، بارقة العينين.
زانت ملابسها الحريرية البيضاء المرصعة بقطع الألماس الدقيقة.
إن رأيتها ظننتها جزءا لا يتجزأ من ديكور القاعة الملائكية البيضاء.
إن حاولت أن تصدق أنها قاعة محكمة ذهبت جهودك أدراج الرياح.
فلا الحراس يوحي مظهرهم بذلك، ولا الجلاد توحي ابتسامته الطفولية بأي نُذُر عقاب ولو بسيط.
لا قفص ولا نساء تبكي، ولا أطفال ينظرون حولهم في حيرة محاولين استكشاف ما يدور حولهم.
حتى المتهم، لم يحرم من ارتداء حلته المفضلة، ولا وضع عطره المفضل المنعش، ولا من تهذيب شعر رأسه أو وجهه.
لا توحي عيناه بأي خوف أو ترقب لعقاب أو ثواب.
بل وقف ثابت الجنان، محدقا في تاج القاضية الحسناء التي تجلس على كرسيها كأميرة متوجة، تفصلها عنه بعض الأمتار القليلة.


*****

الكل ثابت وكأن المكان لا يعدو مجرد ساحة في متحف شمع.
حتى تحركت القاضية فهب الجميع من سباتهم العميق بانتظار أن تنطق أو تشير.
لكنها قامت من مجلسها حتى وقفت بمواجهته (المتهم)
أطال النظر إلى عينيها، حتى أخفضها هو باتجاه حذائه.

ثم قال وهو يرفع رأسه تدريجيا ويمد يسراه باتجاهها :



- لعلك الآن أفضل حالاً، حين صرت قاضيتي.
= لم أكن بحال أفضل مني الآن، فقد حكمت عليك بما وجب أن يكون منذ أمد طويل.



نظر إليها بعينيه نظرة فهمتها على الفور، مع يده اليسرى الممتدة تجاهها، فمدت يمناها واقتربت حتى تلامست أصابعهما وتشابكت، مع تحول إيقاع الموسيقى إلى فالس.
1...2...3...4... 1...2...3...4 1...2...3...4... 1...2...3...4
- لا أظنك تمانعين أن يكون الفالس الأخير بيننا هنا، في مملكتك، وتحت تاجك.
= تعرف أني لا أخشى حتى أمانع.
- لطالما عهدتك جسورة، حتى علىّ أنا ...... حبيبك.
= أنت وهم ... أو قل شبح مزعج، وآن أوان انتهائك.
- ولكن أتظنين أن بحكمك هذا سيستريح قلبك (إن كان لكِ)؟
= على كلٍّ لم يكن مستريحا.

1...2... 1...2...

- لماذا ؟
= هكذا أفضل.
- بدوني؟
= بدونك نعم.

1...2... 1...2...

- ألا تذكرين ؟
= لا أريد.
- قتلتِها.
= بل أنت من وأد ذكرياتي حية.

1...2... 1...2...

- كيف؟

1...2...3... 1...2...3...

= ألم تكن كثيرا كاذبا، غشاشا، مخادعا.
- ودوما كنت ترفضين تصديق هذا.
= سأصدق يوما.
- ليس بإمكانك أبدا.

1...2...3... 1...2...3...

= أتذكر كذباتك الكثيرة.
- لم يكن يوما حبي كذبا.

1... 1...

= مجرم.
- عاشق.
= كنتَ.
- اعترفتِ؟ لم يكن يوما حبي كذبا.

1...2... 1...2...

= عشقت إيلامي.
- بل عشقت حزنك.

1...2...3...4... 1...2...3...4 1...2...3...4... 1...2...3...4

= ولهذا أردتَ أن يدوم لتظل سعيدا.
- إنتِ من أراد أن يكون ضحية دوما.
= والآن؟
- قاضية.
= قاضيتك يا............... حبيبي الكذوب.

اقترب خصراهما فأراحت رأسها على كتفه، مشيرة بعينها إلى الجلاد ذي السيف.
مع ارتفاع إيقاع الموسيقى، يجذبها إليه في عناق وداعي وكأنه طفل يتمسك بأمه.
يمد أصابع يمناه داخل كمه ليخرج مديته وهو يديرها حول عنقها الطويل مقربا أنفه منه.
1... 1...1... 1...1... 1...1... 1...
= والآن أقول وداعا.... لا تقلق سأصدق ما اتهمتك به.
- قلت لن تصدقي يا حبيبتي وأعدِك بذلك.

تباطأ إيقاع الموسيقى تدريجيا مع مديته يغرسه في وريدها ويضمها إليه بقوة.
تسقط الستائر السوداء ليعم الظلام المكان وسيف الجلاد يخترق ظهره من مكان القلب.
وتصمت الموسيقى.

::
بقلم
"إبراهيم محمد"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق