عبد الكريم
من بين أغصان الجميزة تسلل شعاع شمس بارد من خلف السحب المتسارعة ليعانق بشرته السوداء في حنانٍ معتذر، رفع رأسه وهو يجمع اطراف جلبابه الفلاحي حول صدره ليقيه أو ليشعر أنه يقيه من برودة الريح التي اشتدت، فغابت معها الشمس وهربت السحب من غضبتها الثائرة.
امتنع المطر، فالرياح لا تُبقى سحابة مكانها، واختفت الشمس فعز الدفء، جفت الماشية، ويهدده المحصول بخراب الديار العاجل، زوجته الحُبلى أوشكت على الوضع دون أن يعرف كيف سيعتني بها في هذا الشتاء قارس القسوة والبرودة، ولا يعرف ماذا سيسمي وليدها الذي يبدو أنه سيولد أو لن يولد عاريا ليعيش أو يموت كذلك.
اعتاد أن تكون "عزيزة" زوجته هزيلة ضعيفة واهنة العود، لكن وهنها هذا الشتاء ليس طبيعيا، الحمل والبرد والفقر والهمّ الذي غلف معيشتهما منذ أن تسلل البرد إلى الجو مصطحبا معه تصلب ما كان لينا بينهما.
ذل الفقر جعله يرى أنه ليس جديرا بان يكون زوجاً أو أبا، فصار يقضي غالب وقته في حقله الصغير الذي استأجره بسعر فاحش من أحد الأغنياء. قد يُمضي نهاره لا يفعل شيئا سوى قذف الحجارة في الترعة شبه الجافة كضرع شاته أو جالسا على رأس حقله يتلقى تحيات المارة أو يسمع سخرياتهم الدفينة، أو شاردا أسفل تلك الجميزة التي ما عادت تثمر منذ أن كف الصغار عن معابثتها والتسابق على طلوعها، فما عاد من تثمر له إلا التجار الجائلين الذين لا يجدر بهم الكرم أخذًا أو عطاءا.
ألِف مهربَه وألِفه مهربُه، فصارا صديقين على قِصر المدة التي جمعتهما، فصار يبث همومه للترعة ويسند ظهره إلى الجميزة. يقدر أوقات الصلاة تقديرا فيصليها في وقتها، يدعو ربه أن يرزقه الرضا - فقط - فلا يرى نفسه جديرا بطلب مالٍ أو جاه فهو وكما اعتاد أن يصف نفسه - فقري - . لم يعد يعاتب الترعة على بخلها بالماء، كما لم يعاتب الجميزة على عدم إثمارها، لعله لم يرد أن يكون ظالما، ولعله أحد الجائلين السرّيحة الذيبن لا يجدر بهم الكرم،ولعله يخاف من عتاب "عزيزة" على بخله بما لا يملك ولا يستطيع أن يملك.
مازال رغم كل هذا يبتسم كلما سجد في صلاته، إذ يخجل أن يقابل ربه مقطب الجبين أو عابس الوجه، أو متوسلا بعبارات مقتضبة.
لم يلق حظا من التعليم إلا كلمات أمه "روح له يجيلك، واوعى تعابه وللا تكشر ادامه، ده ربك ده إسمه الكريم"، فلم يكف لسانه مرة عن طلب الرضا والستر بعبارات عاميّة بسيطة على قدر ما يعلمه.
في تلك الظهيرة بعد اعتذار شعاع الشمس له، سكنت الريح فهدأت نفسه، مالت الشمس قليلا فقام يصلي الظهر، وتجمعت السحب أثناء سجدته الباسمة فخفت الضوء فلم تعد عينه ترى سوى سواد أرضه البِكر، ثم جاء الصوت وكأنه يلثم أذنيه، لقد أمطرت ماءا دافئا، فارتوى الزرع، وامتلأت الترعة، وغمر الدفء والحبور روحه وجسده.
أنهى صلاته منتشيا كذي ولعٍ ليجد ولد جارته الأرملة يجري نحوه متعثرا في ملابسه صائحا : "ياعم عبد المحسن يا عم عبد المحسن، خالتي عزيزة ولدت"
فردد في نفسه : "ولدت عبد الكريم"
"بقلم إبراهيم محمد"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق